الخطيب الشربيني
93
مغني المحتاج
و ) لا ( إيجاف ) أي إسراع ( خيل و ) لا سير ( ركاب ) أي إبل ونحوها كبغال وحمير وسفن ورجاله . وخرج بزيادة لنا ما حصله أهل الذمة من أهل الحرب فإنه لا ينزع منهم ، وبزيادة مما هو لهم ما أخذوه من مسلم أو ذمي أو نحوه بغير حق ، فإنا لم نملكه بل يرد على مالكه إن عرف وإلا فيحفظ . تنبيه : اعتبر المصنف في حصول الفئ انتفاء القتال وإيجاف الخيل والركاب ، وهذا يصدق بانتفاء المجموع وبانتفاء كل واحد على انفراده ، والمراد هو الثاني ، فإن واحدا من الثلاثة كاف في حصول اسم الغنيمة فلا يكون فيئا حتى تنتفي الثلاثة ، فكان ينبغي أن يقول : ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، كما قدرته في كلامه . وأجاب بعض المتأخرين عنه بأن الواو في كلامه بمعنى أو : أي الفئ ما حصل عند انتفاء أحد هذه الثلاثة ، وهو أعم من كل واحد منها ، والأعم إذا انتفى ينتفي الأخص لانتفاء الانسان بانتفاء الحيوان . وقال بعضهم : إنما يظهر كون الواو بمعنى أو في جانب الاثبات في حد الغنيمة ، وأما في جانب النفي في حد الفئ فالواو على بابها ، والمراد انتفاء كل واحد على انفراده كما مر ، وهذا أظهر . ثم ذكر أنواعا ستة من الفئ أشار لها بقوله : ( كجزية وعشر تجارة ) من كفار شرطت عليهم إذا دخلوا دارنا ، وخراج ضرب عليهم على اسم جزية . ( وما جلوا ) أي تفرقوا ( عنه خوفا ) من المسلمين أو غيرهم ، ( ومال مرتد قتل أو مات ) على الردة ، ( وذمي ) أو نحوه ( مات بلا وارث ) أو ترك وارثا غير حائز . تنبيه : هذا التعريف ليس بجامع ، فإن المال يخرج الاختصاصات مع أنها فئ كما مر ، فلو قال : ما حصل ، كان أولى ، وليس بمانع لدخول ما حصل من سرقة أو هبة ونحو ذلك كلقطة فإنه غنيمة لا فئ . وما أهدوه لنا في غير الحرب فإنه ليس بفئ كما أنه ليس بغنيمة بل هو لمن أهدي له ، وأما ما أهدوه لنا والحرب قائمة فهو غنيمة كما سيأتي . ولو حذف المصنف لفظ الخوف لكان أولى ليدخل المال الذي جلوا عنه لضر أصابهم أو صولحوا عليه بلا قتال فإنه فئ وإن لم يكن خوف . ثم أشار لحكم الفئ بقوله : ( فيخمس ) جميعه خمسة أخماس متساوية كالغنيمة ، خلافا للأئمة الثلاثة حيث قالوا لا يخمس بل جميعه لمصالح المسلمين . لنا قوله تعالى : * ( ما أفاء الله على رسوله ) * الآية ، فأطلق ههنا ، وقيد في الغنيمة فحمل المطلق على المقيد جمعا بينهما لاتحاد الحكم ، فإن الحكم واحد وهو رجوع المال من المشركين للمسلمين وإن اختلف السبب بالقتال وعدمه كما حملنا الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل . وكان ( ص ) يقسم له أربعة أخماسه وخمس خمسه ، ولكل من الأربعة المذكورين معه في الآية خمس خمس . وأما بعده ( ص ) فيصرف ما كان له من خمس الخمس لمصالحنا ، ومن الأخماس الأربعة للمرتزقة كما تضمن ذلك قول المصنف : ( وخمسه ) أي الفئ ( لخمسة ) فالقسمة من خمسة وعشرين ، ( أحدهما : مصالح المسلمين ) فلا يصرف منه شئ لكافر . ثم مثل المصنف للمصالح بقوله : ( كالثغور ) جمع ثغر ، أي سدها وشحنها بالعدد والمقاتلة ، وهي مواضع الخوف من أطراف بلاد الاسلام التي تليها بلاد المشركين فيخاف أهلها منهم . وكعمارة المساجد والقناطر والحصون ، ( و ) أرزاق ( القضاة ) والأئمة ( والعلماء ) بعلوم تتعلق بمصالح المسلمين ، كتفسير وحديث وفقه ، وطلبة هذه العلوم . تنبيه : نبه المصنف رحمه الله تعالى بالعلماء على كل ما فيه مصلحة عامة للمسلمين ، كالأئمة ومعلمي القرآن والمؤذنين ، لأن بالثغور حفظ المسلمين ولئلا يتعطل من ذكر بالاكتساب عن الاشتغال بهذه العلوم وعن تنفيذ الأحكام وعن التعليم والتعلم فيرزقون ما يكفيهم ليتفرغوا لذلك . قال الزركشي نقلا عن الغزالي : تعطى العلماء والقضاة مع الغنى وقدر المعطى إلى رأي السلطان بالمصلحة ، ويختلف بضيق المال وسعته . قال الغزالي : ويعطى أيضا من ذلك العاجز عن الكسب لا مع الغنى . والمراد بالقضاة غير قضاة العسكر ، أما قضاتهم الذين يحكمون لأهل الفئ في مغزاهم فيرزقون من الأخماس الأربعة لا من خمس الخمس كما قاله الماوردي ، قال : وكذا أئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم . ( يقدم الأهم ) فالأهم منها وجوبا ، وأهمها كما في التنبيه سد الثغور لأن فيه حفظ المسلمين .